الأخبارالرأي والتحليل

● مقـال: تدميـر البنك الزراعـي السـوداني.. عندما أُغتيـلت رئـة الإقتصـاد…..

● بقلم: مهندس / أحمـد عبـاس حـلمي عابـدين - معهـد (STSI)...

● أولاً:
ما هو البنك الزراعي؟
لمن لا يعرف ، البنك الزراعي السوداني لم يكن بنكاً. كان دولة كاملة. تأسس عام 1959، وكان هو الممول الوحيد لمشروع الجزيرة (أكبر مشروع مروي في العالم)، ومشروع الرهد، والسوكي، وطوكر، ومشروع القضارف (سلة غذاء العالم العربي)، وكل الزراعة المطرية في كردفان ودارفور. البنك كان يفعل ما لا تفعله وزارة الزراعة نفسها: يستورد التقاوي المحسنة، والسماد والجازولين، ويمول الحصاد، ويشتري المحصول من المزارع بسعر تشجيعي، ويخزن ويرحل ويسوق. باختصار: البنك الزراعي هو الذي كان يجعل السودان “سلة غذاء العالم”.

● ثانيـاً:
كيف تم تدميره؟ –
أربع مراحل للاغتيال: الاغتيال لم يكن صدفة ، كان خطة ممنهجة على 30 سنة:

● المرحلة 1:
تسريح الكوادر المؤهلة وتدمير الخبرة التراكمية بصورة ممنهجة:

وهذه هي أخطر مرحلة. البنك الزراعي كان يملك خبرة تراكمية لا تقدر بثمن. كان فيه مهندس زراعي يعرف أرض القضارف حبة حبة، ويعرف أن هذه الحواشة تحتاج سماد يوريا وهذه تحتاج داب، ويعرف تاريخ كل مزارع ومتى زرع ومتى حصد وهل هو ملتزم بالسداد أم لا. هذه الخبرة كانت تُبنى في 20 سنة عمل ميداني. ما الذي حدث؟ تم تسريح الكوادر بصورة ممنهجة: الصالح العام في التسعينات حيث تم طرد المئات من خيرة خبراء البنك – والإحصائيات الرسمية لنقابة البنك تتحدث عن أكثر من 1100 خبير في الدفعة الأولى وحدها – والخصخصة والهيكلة في 2005-2010. تدمير الكادر أخطر من تدمير المبنى. المبنى يمكن أن تبنيه في 6 شهور، لكن الخبير الزراعي يحتاج 20 سنة لتبنيه. ما ضاع من البنك الزراعي، من دراسات وخبرات تراكمية وكوادر بشرية مؤهلة لا يقدر بثمن، فكل خبير بالبنك بدأ كمفتش غيط، لذلك حينما يناقش قضايا موسم أو قضية تمويل يعلم تماماً عن ماذا يتحدث لأنه عمل بهذه المشاريع وخاض في وحلها. وعندما تدمر الخبرة، فأنت لا تدمر بنكاً، أنت تدمر أمة زراعية كاملة.

● المرحلة 2:
التجفيف المالي وتحويل رأس المال المنتج إلى مصانع لا تسمن ولا تغني من جوع:
تم تجفيف منابع التمويل. بدلاً من أن يمول البنك بالعملة الصعبة من بنك السودان، تم ربطه بميزانية وزارة المالية الفقيرة. فأصبح البنك يملك أوراقاً ولا يملك كاش. وهنا حدثت الكارثة الكبرى التي لا يعرفها الناس: هناك شركات وطنية خاصة كانت تقوم بتحضير مشروع الجزيرة، وقد عملت أنا شخصياً بإحدى هذه الشركات، بعد وقف التمويل تحول رأسمالها لصناعات لا تسمن ولا تغني من جوع. هذه الشركات كانت تملك أسطولاً من التراكتورات الضخمة التي أدخلتها وهي معدلة من الدبابة تشالنجر – الدبابة البريطانية الشهيرة تشالنجر التي حاربت في حرب الخليج – حولتها شركاتنا الوطنية من دبابة حرب إلى تراكتور حراثة، كانت تجر 12 ديسك بعمق (600mm) وتحرث 200 فدان في اليوم. كانت هذه التراكتورات هي التي تحضر الجزيرة كلها. عندما توقف تمويل البنك الزراعي، توقفت الجزيرة، فتوقف عمل هذه الشركات. فماذا فعل أصحابها برأس مالهم؟ لم يذهبوا ليشكوا، حولوا رأس مالهم المنتج من الحقل إلى المدينة. الحقول التي كانت تنتج قمحاً وذرة، أصبحت اليوم تنتج مكرونة وشعيرية وسميد لعمل البسبوسة، بنفس رأس المال. تخيل: تراكتور كان معداً من دبابة تشالنجر حاربت في الخليج، كان يحرث أرض الجزيرة ليطعم السودان، اليوم نفس رأس المال الذي اشترى ذلك التراكتور أصبح يشتري ماكينة مكرونة وشعيرية وسميد للبسبوسة. رأس مال كان يحرث 2 مليون فدان قمح، أصبح يصنع بسبوسة. هذا ليس تطوراً اقتصادياً، هذا اغتيال لاقتصاد منتج وتحويله إلى اقتصاد استهلاكي ريعي.

● المرحلة 3:
الإغراق بالسماسرة (2005-2019):
تم إغراق السوق بالشركات الطفيلية. شركة فلان لاستيراد السماد، تأخذ التمويل من البنك الزراعي نفسه بفائدة 2%، ثم تبيعه للمزارع بفائدة 40%. البنك تحول من ممول للمزارع إلى ممول للسمسار الذي يذبح المزارع. والنتيجة: مساحة القطن انخفضت من 500 ألف فدان إلى 20 ألف فدان.

● المرحلة 4:
الضربة القاضية – الحرب (2023-2026):

جاءت مليشيا الجنجويد لتكمل المهمة. تم نهب وحرق رئاسة البنك الزراعي في الخرطوم (كل الأرشيف منذ 1959 احترق) ، و108 فرع من أصل 114 فرع ، والمخازن الإستراتيجية في القضارف ومدني.

● ثالثـاً:
لماذا البنك الزراعي بالذات؟
لأن من يريد أن يحكم السودان ، يجب أن يجوع السودان أولاً. تدمير البنك الزراعي لم يكن فساداً إدارياً ، كان سلاح دمار شامل اقتصادي.

●رابعـاً:
ضـياع الطاسـة – نهاية العـروة الصـيفية والشـتوية:

وبنهاية البنك الزراعي ضاعت العروة الصيفية والشتوية والتنسيق الذي كان بين المزارعين.
إذ كان البنك الزراعي صمام أمان للأمن الغذائي للسودان وللصادر.
كان البنك هو الذي يقول:
يا مزارعي الجزيرة هذا العام سنزرع 200 ألف فدان قمح شتوي ، ويا مزارعي القضارف سنزرع 500 ألف فدان ذرة صيفية. فأصبح كل مزارع يزرع على هواه . فتارة تجد وفرة في محاصيل غير ضرورية كالشطة الخضراء ويزامنها عجز في الذرة والقمح.

●فضـاعت الطاسـة.
لا خطة ، لا تنسيق ، لا عروة صيفية ، لا عروة شتوية ، لا صادر ، لا أمن غذائي. وقد قال تعالى مذكراً: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ، أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) الواقعة: (63-64)
فإذا كان الزارع الحقيقي هو الله ، فإن الذي يدمر البنك الزراعي إنما يقطع السبب الذي جعله الله رزقاً للعباد.

●خامسـاً:
ما الحل؟
1- إعادة الكادر المفصول:
إرجاع كل خبراء البنك الذين بدأوا كمفتشين غيط وخاضوا في وحلها.

2- تأميم البنك:
يعود بنكاً مركزياً زراعياً سيادياً.

3- إعادة رأس المال المنتج:
تشجيع تلك الشركات الوطنية التي حولت تراكتوراتها من دبابات تشالنجر إلى ماكينات مكرونة، أن تعود إلى الحقل مرة أخرى بدعم سيادي.

4- العودة لنظام السلم.

● سـادساً:
رسالتي: يا أهل القضارف والجزيرة ، هل يعقل أن تراكتوراً كان أصله دبابة تشالنجر حاربت في الخليج ، جاء ليحرث أرضكم ليطعمكم ، ثم انتهى به الحال أن يُباع خردة ليُشترى بثمنه ماكينة بسبوسة؟

* إن معركة إستعادة البنك الزراعي هي أهم من معركة استعادة الخرطوم . (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)
(وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)….

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى